محمود سالم محمد

408

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

والمطرب ، فالمرقص عندهم هو التشبية الجديد الغريب الذي يبلغ تأثيره في قارئه أو سامعه إلى درجة يدعوه معها إلى الرقص ، والمطرب هو التشبيه الذي يبعث في النفس نشوة الطرب ، ولا يصل إلى درجة الأول ، وإلى الرقص ، أما التشبيه الذي لا يصل في تعقيده وغرابته إلى درجة هذين النوعين ، فإنه لا يتعدى في نظرهم المسموع أو المتروك « 1 » . وعلى الرغم من أن فنون البديع أكثر ما تستخدم في الغزل والوصف ، إلا أن شعراء المدح النبوي في هذا العصر أكثروا من هذه الفنون في مدائحهم ، وفي وهمهم أنهم يرصعونها بأفضل ما عندهم من محاسن تعبيرية تليق بفن المدائح النبوية ، وليتمكنوا من نيل إعجاب الناس ، ورضاهم عن هذه المدائح ، ولا يستجلب ذلك إلا بفنون البديع . وزيادة على ذلك فالصنعة البديعية أضحت من أدوات الشاعر في ذلك الوقت ، فلا يستطيع نظم قصيدة في أي موضوع ، دون أن يدرج فنون البديع في ثناياها ، ولذلك حفلت قصائد المديح النبوي بفنون البديع ، وثقلت بعضها بتعقيدها ، إلى أن ربط المديح النبوي بالبديع ، فظهرت البديعيات التي تجمع بين المدح النبوي وبين فنون البديع جميعها مع ذكر أسمائها والتمثيل لها . ولهذا يعسر على الدارس أن يستقصي فنون البديع في المدائح النبوية كلها ، ولا فائدة كبيرة ترجى من بيان المواضع التي استخدمت فيها جميع الأنواع البديعية التي عرفت في ذلك العصر ، والتي عرفها البديعيون ومثّلوا لها ، لأنها لم تكن منتشرة ، وكان تداولها مقتصرا على أصحاب البديعيات أو البديعين الذين اخترعوا أمثلة لفنون بديعية مخترعة ، هداهم إليها طول تفكيرهم بمذاهب الكلام وطرقه التعبيرية ، وهي لا تزيد في بلاغة اللغة ، بل تعقّدها ، وتفقد المعبر بها البداهة والاسترسال وأصالة التعبير الذاتي .

--> ( 1 ) ابن سعيد : المرقص والمطلوب ص 7 .